الشيخ حسن المصطفوي

96

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

بعيدا . والدعوة سبق انّه طلب شيء للتوجّه اليه فقط لا لأخذه والنيل عليه . وهذا المعنى ملحوظ في جميع مشتقّات المادّة ، يضاف اليه ما يستفاد من هيئات الصيغ ، كما في أفعل وتفعّل وفاعل وافتعل . فصيغة أطلب تدلّ على جعل شيء ذا طلب وعلى جهة قيام الفعل بالفاعل ، وفاعل على المداومة والاستمرار ، وافتعل وتفعّل على المطاوعة . * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ ا للهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه ُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوه ُ مِنْه ُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) * - 22 / 73 الطالب هو الَّذى يدعو معبودا من دون الله تعالى ، وهو ضعيف حيث انّه يتوجّه ويعبد إلها لا يقدر على جلب نفع أو دفع مضرّة له ولغيره ، فهو جاهل غافل قاصر لا يدرى إلى أين يتوجّه ولا يعرف صلاحه وفلاحه ، وهذا غاية الضعف والقصور ، فانّه يطلب شيئا لا ينفعه . وأمّا المطلوب : فهو الَّذى يجعله الطالب مطلوبا لنفسه ويبتغى الوصول اليه وتحصيل رضاه ووفاقه وارادته ، وهو المعبود له من أىّ نوع كان ، إنسانا ، أو حيوانا ، أو جمادا ، أو ملكا ، فانّ كلّ شيء من دون الله مملوك فقير محتاج عاجز لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة . ومن آثار ضعفه : عجزه في قبال مخلوق من أضعف الخلق وهو الذباب . والتعبير بقوله - تدعون ، دون تعبدون : إشارة إلى ما هو أعمّ من العبادة فانّ الدعوة من دون الله ولو لم يكن ظاهرا بقصد العبادة ، يكون من مصاديق الآية الكريمة ، فيشمل كلّ دعوة من دون الله ، في جهة عنوان أو غنى أو حكومة أو جهات أخرى مادّيّة أو معنويّة . نعم إذا كان النظر إلى مدعو من جهة كونه وجها وظلَّا من الله تعالى ، وليس النظر إلى نفس ذلك المدعوّ بذاته وبخصوصه : فهو يدعو الله . * ( إِنَّ رَبَّكُمُ ا للهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُه ُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِه ِ أَلا لَه ُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) * - 7 / 54